محمد بن جرير الطبري

264

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فإن قال قائل : وما وجهُ مخرج النَّصْب فيها ؟ قيل له : أن تنصبها بإضمار " جعل " ( 1 ) ، كأنه قال : وجعل على أبصارهم غِشَاوةً ، ثم أسقط " جعل " ، إذْ كان في أول الكلام ما يدُلّ عليه . وقد يحتمل نَصبُها على إتباعهِا موضعَ السمع ، إذ كان موضعه نصبًا ، وإن لم يكن حَسَنًا إعادةُ العامل فيه على " غشاوة " ، ولكن على اتباع الكلام بعضِه بعضًا ، كما قال تعالى ذكره : ( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ) ، ثم قال : ( وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ ) ، [ سورة الواقعة : 17 - 22 ] ، فخفَضَ اللحمَ والحورَ على العطف به على الفاكهة ، إتباعًا لآخر الكلام أوّلَه . ومعلومٌ أن اللحمَ لا يطاف به ولا بالحور العين ، ولكن كما قال الشاعر يصف فرسه : عَلَفْتُهَا تِبْنًا ومَاء بارِدًا . . . حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا ( 2 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " إن نصبها . . " . ( 2 ) لا يعرف قائله ، وأنشده الفراء في معاني القرآن 1 : 14 وقال : " أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه " ، وفي الخزانة 1 : 499 : " رأيت في حاشية صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمة ، ففتشت ديوانه فلم أجده " . وسيأتي في تفسير آية سورة المائدة : 109 ( 7 : 81 بولاق ) . وقوله " شتت " من شتا بالمكان : أقام فيه زمن الشتاء ، وهو زمن الجدب ، وهمالة : تهمل دمعها أي تسكبه وتصبه من شدة البرد .